صقيعُ الأرواحِ في مَنفى الغُربة عندما اغتيال الصمتُ المودَّة

 

صقيعُ الأرواحِ في مَنفى الغُربة  عندما اغتيال الصمتُ المودَّة





بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس 


الافتتاحية: 


ليست الغربةُ مجرد انتقالٍ من وطن إلى وطن، بل هي ارتحالٌ كاملٌ في بنية الوجود؛ حيث تتبدل الجغرافيا، وتتوارى الوجوه المألوفة، وتضيق دوائر السند الاجتماعي، حتى يستحيل البيتُ هو الوطن الصغير والعالم كله. 


فإذا كان البيت واحة سكنٍ ومرفأ رحمة، هانت قسوة الاغتراب واستطاع الإنسان أن يواجه لفحها، أما إذا تسرب الجفاء إلى أركانه وغاض مَعين الحوار، تحولت الغربة إلى صقيعٍ يلامس شغاف الروح قبل أن يمس الجسد. 


إن من أكثر ما يختبر حصانة البيوت في المهجر هو تلك القدرة الفذة على تطويع القِوامة لتكون مظلة رعاية، لا سوط هيمنة، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى جسر حوار لا إلى خندق قطيعة.

فإذا اختل هذا الميزان المرهف، استحال الميثاق الغليظ من سكنٍ يفيض بالسكينة إلى مساحة صامتة يسكنها سوء الفهم، وتغلفها الوحشة الوجدانية التي قد تكون أقسى من وحشة المكان. 


المشكلة: 


حين تتحول القِوامة إلى عزلة 


تكتب سيدة من قلب القارة الأوروبية رسالة تختلط فيها حيرة الغربة بمرارة الوجع، تقول فيها بصدقٍ يفيض بالأسى: 


تزوجت منذ ثمان سنوات، ورُزقت بنتين أحمد الله عليهما. 

كنت قد اشترطت قبل ميثاق العقد على زوجي شروطاً واضحة 


أن أترك عملي الوظيفي مقابل أن يساعدني في بناء كياني الخاص عبر مشروع مستقل، 

وأن يكون الحوار الصريح هو الدستور الذي يحكم خلافاتنا، 

وأن يعينني على صلة أهلي باعتباري ابنتهم الوحيدة، وقد وافق على ذلك معاهدا على الوفاء. 


بدأتُ دراسة الخياطة وافتتحت مشروعاً صغيراً بمعاونته، لكن ما إن أينع ثمر النجاح، وبدأ المشروع يثبت خطاه، حتى انقلب حاله بصورة مفاجئة؛ 

افتعل المشاكل، وصار يقلل من شأني، ويغلق أبواب الحوار في وجهي. 

لم يعد يخاطبني إلا بلسان الأوامر والاتهامات، وإن أبديتُ اعتراضاً، عاقبني بالهجر والصمت الطويل. 


نحن نعيش في غربةٍ أوروبية قاسية، ولا أهل لي في هذا المَنفى سوى زوجي. 

لقد لاحظتُ أن أباه – رغم التزامه الظاهر في عبادته – يعامل والدته بقسوة وازدراء أمامنا، وكأن زوجي قد فُتن بهذا النموذج فجعله قدوةً له. 


الآن أنا في غاية الضيق والقهر، وأفكر في العودة للتدريس لأستعيد توازني الذي تبعثر، ومع معارضته لرجوعى للعمل، فقد أضطر لطلب الطلاق، فما عادت نفسى تقوى على مزيد من الصير والتحمل .

فبماذا تنصحون؟ 


الجواب: 


العودة إلى محراب الميثاق 


ابنتي الكريمة،

إن الحياة الزوجية في منظورنا ليست عقداً مدنياً لتنظيم العيش، بل هي معراج إنساني وميثاق غليظ استحل به كل طرف صاحبه بكلمة الله؛ كما قال سبحانه: 


{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21). 


والسكن في الآية ليس سقفاً وجدراناً، بل هو احتواء نفسي وقبول إنساني. 


ولحل هذه المعضلة المتشابكة، لا بد من قراءة الموقف عبر مسارات ثلاثة: 


1. أصداء الماضي.. حين تُسجن الرجولة في موروث الجفاء 


ما يمارسه زوجك هو نوع من العدوى السلوكية العابرة للأجيال؛ فقد نشأ ورأى في والده صلاحاً وديناً رغم غلظة طباعه، فظن واهماً أن الجفاء جزء من الشخصية القوية أو متمم للوقار الديني. 


لم يدرك أن هيبة الرجل الحقيقية تكمن في لين جانبه، وقد قال المصطفى ﷺ: 


إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم). 


إن صلاح الأب في محرابه لا يبرر سوء خلقه في دار أهله، والوعي هنا هو الكفيل بفك الارتباط الذهني لدى زوجك بين التدين وبين الفظاظة. 


2. ظلال الوحي.. القوامة احتواء لا استعلاء 


القوامة في جوهر الشريعة هي مسؤولية رعاية لا رغبة تملك: 


{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء:34). 


وهي تكليف يوجب على الرجل حماية كيان المرأة، لا حصرها في زاوية التهميش أو فرض عزلة تُورثها الهم والمرض. 


وعليه:

فإذا كان خروجك للتدريس عملاً يليق بكرامتك، ولا يترتب عليه ضياع لحقوق بناتك، بل فيه استرداد لعافيتك النفسية، فالأولى أن يكون هذا الخيار باباً للتراضي لا وقوداً للعناد. 


فالمرأة التي يذبل طموحها في الغربة، يبرد دفؤها، وتتلاشى قدرتها على العطاء لبيتها. 


وقفة للزوجة 


ويا أيتها الزوجة الكريمة، توقفي لحظة صدق مع نفسك، بعيدًا عن ضغط الأيام وتزاحم المسؤوليات. 


تأملي بهدوء: 

هل شغلتكِ البنات، وانشغلتِ بترقيكِ في العمل، حتى تراجع في قلبكِ حضور الزوج دون أن تشعري؟

فالرجل – مهما بدا صلبًا – يضعف أمام الإهمال العاطفي أكثر مما يضعف أمام الخلاف.

وقد لا يكون تغيّره إلا صدى لشعورٍ داخلي بأنه لم يعد في المركز الأول من الاهتمام. 


فالمراجعة هنا ليست اتهامًا، بل مفتاح ترميم قبل أن يتسع الشرخ. 


3. هندسة الإصلاح.. ترميم جسور التواصل 


قبل التفكير في الانسحاب أو الصدام، لا بد من محاولة جادة لترميم الجسور. 


أول هذه الخطوات هو الحوار الاستراتيجي؛

اختاري لحظة صفاء، وحدثيه بلسان الروح لا بلغة العتاب، وأخبريه أنك لست خصماً يحاول التفوق عليه، بل شريكة تخشى على غرسكما – البنتين – من رياح الانفصال. 


وإن انغلق باب الحوار المباشر، فالواجب الاستعانة بوسيط حكيم من أهله ممن يُقدِّر رأيهم، أو اللجوء إلى إمام المركز الإسلامي في ولايتكم؛ فهو الأدرى بضغوط الغربة وتأثيراتها، تحقيقاً لقوله تعالى: 


{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (النساء:35). 


نداء إلى الزوج: كُن وطناً.. لا منفى 


أيها الزوج الكريم،

إن القوامة التي استأمنك الله عليها هي تكليف ستُسأل عنه يوم العرض، ومبناها العدل والإحسان لا السلطة الجائرة.

لقد كان النبي ﷺ – وهو سيد الوجود – يخصف نعله ويخدم أهله ويحاورهم ويواسي ضعفهن، وقال قولته الخالدة: 


«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي). 


فلا تجعل من نموذج أبيك قيداً يُكبل مروءتك إن كان فيه جفاء، بل اجعل من سيرة نبيك منارة لك.

إن زوجتك في هذه المنافي الأوروبية هي رفيقة دربك والوحيدة التي تقتسم معك عناء الاغتراب، والكلمة الطيبة منك هي الأكسجين الذي يحيي قلبها، أما الظلم والإهمال فهما الفأس التي تهدم بنيانك بيدك.

فاستوصِ بها خيراً، يكن بيتك جنة وسط صقيع الغربة. 


كلمة الفصل 


البيوت لا تنهدم بضربة واحدة، بل تتآكل ببطء حين يغيب الحوار ويسود الصمت.

والفرق بين بيت ينجو وبيت يتصدع هو الإصرار على إحياء المودة قبل أن تتحول القلوب إلى جزر منعزلة.

فإن عاد التفاهم، استقام البيت على سوقه، وإن تعذر الإصلاح ونفدت سبل المودة، فقد وضع القرآن الكريم قاعدة العدل التي تحفظ جلال الكرامة الإنسانية: 


{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة:229). 


فالمعروف هو أساس البقاء والاستمرار، والإحسان هو سياج الفراق الراقي.

والحكمة تقتضي أن نبذل كل ما في الوسع لإحياء الميثاق قبل التفكير في إنهائه.








إرسال تعليق

0 تعليقات