السيرة النبوية العطرة
مكر الأعداء وبركات البادية.. حفظ الله لنبيه في ديار بني سعد
الحلقة الثالثة عشر
بقلم العقيد محمود سودان مصر 🇪🇬
عندما مثل اليهود بأنهم عرافون وأن منهم من يقرأ الكف ويتنبأ بالمستقبل، قالت حليمة لأحدهم أريد أن أريك هذا المولود، فعرضت عليهم النبي صل الله عليه وسلم فلما نظروا إليه وأخذوا يتفحصون صفاته ارتسمت في وجوههم الدهشة، وأخذوا ينظرون لبعضهم البعض ثم ينظرون إلى النبي صل الله عليه وسلم. فقالوا لها: ما هذه الحمرة في عينيه ،وكان صل الله عليه وسلم في بياض عيونه حمرة لا تفارقه وهي نوع من أنواع الجمال؛ عروق رقيقة حمراء في بياض عيونه. فقالت حليمة: لا أدري هي في عينيه من ساعة ولادته ، فقالوا لها: أيتيم هو ، هنا أحست حليمة من سؤالهم ودهشتهم بشيء غريب، فخافت عليهم وقالت: لا ليس يتيماً وهذا أبوه ،وأشارت إلى أبي كبشة. فقال واحد من الأحبار للآخر: أتراه هو ،فأجابه الآخر: إي ورب موسى هو، ثم صرخ في قبيلة بني سعد: أيها الناس اقتلوا هذا الصبي فإنه إن بلغ مبلغ الرجال ليسفهن أحلامكم وليبدلن دينكم.. ويل للعرب ويل للعرب ، فصرخت حليمة في وجهه وقالت: ويل لك أنت، أما نحن فلا نقتل ولدنا. فلما سمعت حليمة قولهم ضمته لصدرها وهربت به بين الناس وسط الزحام وهي خائفة، وتأكدت أن هذا الصبي تدور حوله أمور غير عادية.
وصلوا إلى ديار بني سعد، فما بقي بيت إلا فاح منه ريح العود ببركته، وكانت أرضهم أصابها الجفاف، فتقول حليمة: فلما قدمنا بمحمد صل الله عليه وسلم أصبحت أغنامي تعود وقد شبعت وامتلأ ضرعها باللبن، كنا نرى الخضرة في أفواهها والأرض قاحلة ، فيصرخ القوم ويقولون للرعاة: اسرحوا بالأغنام حيث تسرح أغنام حليمة ، فيقول الرعاة: والله إنا لنسرح معاً، ولكن أغنام حليمة لا ترفع رؤوسها عن الأرض وهي تأكل، وليس في الأرض نبتة واحدة خضراء! ففاض الخير كله على ديار بني سعد ببركة نبينا صل الله عليه وسلم.
مضت السنتان الأولى من عمر النبي صل الله عليه وسلم، فكان ينمو شباباً لا ينموه الغلمان. ولما حان موعد فطامه، رجعت به حليمة إلى مكة، فطلبت من أمه آمنة أن تتركه عندها فترة أخرى لتقوى بنيته وتخشى عليه وباء مكة، فوافقت آمنة، ورجعت حليمة به فرحة مستبشرة. وبينما كان النبي صل الله عليه وسلم يوماً مع أخيه من الرضاعة في الأغنام خلف بيوتنا، إذ جاء أخوه يشتد وهو يصرخ: يا أبتي، يا أمي، أدركا أخي القرشي، فقد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقا بطنه .
فخرجت حليمة وزوجها يهرولان في ذعر شديد، حتى وصلا إليه صل الله عليه وسلم فوجداه قائماً منتقع اللون، فالتزمته حليمة وضمته إلى صدرها وقالت: يا بني، ما شأنك . فقال صل الله عليه وسلم بهدوء السكينة النبوية: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو . والحقيقة أن ملكين جاءا إليه، فشق جبريل صدره الشريف واستخرج قلبه، ثم استخرج منه علقة سوداء وقال: هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه فالتأم الصدر فوراً.
خافت حليمة خوفاً شديداً وقررت على الفور أن ترده إلى أهله في مكة قبل أن يصيبه مكروه. فلما ذهبت به إلى أمه آمنة، قصت لها الخبر، فقالت آمنة بكل ثبات وإيمان: ، أتخوفت عليه الشيطان ،كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني هذا لشأناً عظيماً . وهكذا عاد اليتيم المبارك إلى حضن أمه بعد أن طهر الله قلبه ليكون وعاءً للوحي والرسالة.
وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والله أعلم،،،
يتبع في الحلقة القادمة،،،
الفقير إلى الله محمود سودان

0 تعليقات