الكلمة بقلم الشاعرة سالى النجار 🇪🇬

 

الكلمة



الكلمة… ميزان الرجال، وخيطٌ يُمسك به شرف الإنسان قبل أن تُمسكه يداه. هي عقدٌ لا يُكتب على ورق، بل يُحفر في الضمير. من حفظ كلمته ارتفع، ومن خانها سقط ولو وقف على أعلى الجبال.


وأنا صغيرة، أعطيتُ أبي وعدًا، فابتسم بثبات الرجال وقال:


“ما دمتِ قلتي كلمة… فهي عندي عهد لا يُنقَض، ولن أصغّرك أمام نفسك.”


رحمه الله… علّمني أن الإنسان يصنعه قوله قبل فعله.


لكن اليوم، نرى من يتراجع عن وعده بخفة مَن لا يعرف ثمن ما يقول؛ يفتح فمه بالكلمة ثم يدفنها بيده، يرجع في كلامه كأنه طفل لا يدرك معنى المسؤولية، ولا يحسّ بثقل الرجولة إن سقطت.


ألم يسمعوا من قبل أن:


الكلمة نورٌ… وبعض الكلمات قبور


مفتاح الجنّة في كلمة… ودخول النار على كلمة


والنجاة تبدأ من كلمة… والهلاك يبدأ من كلمة


فما بالهم يختارون الظلمة بدل النور، والهوة بدل الطريق المستقيم؟


حين ينطق الإنسان كلمة ثم ينقضها، لا يخون غيره فقط… بل يخون نفسه أولاً.


يخسر ثقته بذاته قبل أن يخسر ثقة الناس.


يصبح كلامه بلا وزن، ووجوده بلا هيبة، ويعيش دائمًا تحت سقفٍ واطئ اسمه: "عدم المصداقية".


فالفرد الذي يعتاد الكلمة المكسورة… يعتاد الهروب.


ويتعلم أن يترك وعوده تتعفن بدل أن يواجهها.


ومَن اعتاد الهروب… لن يقف ثابتًا في أي علاقة، ولا في أي مسؤولية، ولا حتى أمام نفسه في المرآة.


عندما تضعف قيمة الكلمة بين الناس، لا ينهار شخص واحد… بل ينهار بناءٌ كامل.


تفقد البيوت أمانها، وتفقد العلاقات ثقتها، 


تتعثر الخطوات لأن أساسها هشّ، وينتشر الشكّ مثل وباء:


الزوج لا يصدق زوجته والصديق لا يأمن صديقه.


ومجتمعٌ تهتزّ فيه الكلمة… لن يقف مستقيمًا.


فالعدل يبدأ بكلمة، والعَهد يبدأ بكلمة، والصلح يبدأ بكلمة.


وإذا فقد الناس قدسية الكلمة، فقدوا كل شيء بعدها.


لم يتغيّر الزمان… بل تغيّر من استخفّ بالكلمة، ومن ظنّ أن الرجوع عنها “ذكاء”، بينما هو في الحقيقة عيبٌ يَعرِي صاحبه مهما حاول أن يخفيه.


ويبقى في هذا العالم رجالٌ لا تزال كلماتهم تقف مثل سيوف مستقيمة:


إذا قالوا… فعلوا.


وإذا وعدوا… وفَوا.


وهؤلاء وحدهم تستقيم بهم حياة الفرد… ويقوم بهم ظهر المجتمع.


 الشاعرة سالى النجار

إرسال تعليق

0 تعليقات