الحنين إلى الماضي
بقلم: عبد السميع المصري 🇪🇬
بعد يومٍ مثقلٍ بأعباء العمل الشاقة، تاقت نفسي لكسر روتين أيامي، لا سيما وأنا أعيش وحيداً. رغبتُ في الخروج، ولسببٍ لا أعلمه، قفزت إلى مخيلتي صورة حديقة في منطقة "المنيل" تطل على النيل، كنتُ أرتادها في سالف الأيام. لم أتردد؛ حملتُ طعاماً خفيفاً وزجاجة مياه وانطلقت، فهي ليست ببعيدة عن مقر عملي. تمشيتُ بمحاذاة النيل، وأنا أسترجع كيف كانت خطاي تألف هذا الطريق كل مساءٍ فيما مضى.
وصلتُ إلى الحديقة، ورغم ما طرأ عليها من تغييراتٍ كثيرة، إلا أن عبق الذكريات ما زال يفوح من أركانها. تقدمتُ بخطواتي وأنا أبتهل إلى الله أن يكون "مكاني القديم" ما زال كما عهدته.. ويا لفرحة قلبي! لم تطله يد التغيير؛ كان كما هو في أقصى الحديقة، منعزلاً وهادئاً.
جلستُ وأخرجت طعامي، فاقترب مني شاب يعمل نادلاً في الكافتيريا. رحبتُ به وطلبتُ شاياً بدون سكر، ثم تركتُ نفسي لتغرق في بحر الأفكار. بدأ شريط حياتي يمر أمام عيني: كيف بقيتُ حتى الآن بلا زواج؟ وكيف مرَّ بي قطار العمر وأنا في الأربعينيات؟ كانت حياتي سلسلة من العمل المتواصل ورعاية أمي المريضة، آثرتُ خدمتها وخشيتُ عليها من زوجة قد تسيء معاملتها، فعشتُ باراً بها خادماً لراحتها حتى توفاها الله في العام الماضي.
نظرتُ حولي، وتذكرتُ أصدقائي الذين تزوجوا وأنجبوا، لكني لم أندم يوماً، فقد قررتُ أن أكمل حياتي هكذا مع نفسي. ولكن اليوم، ثمة شيء مختلف! حنين جارف للماضي ولهذا المكان دون سبب معلوم، يمتزج بشعورٍ غامرٍ بالسعادة وصفاء النفس.
حضر الشاي، فشكرتُ الشاب وتبادلتُ معه أطراف الحديث عن أحوال الحديقة، فأخبرني أنها كما هي؛ يزورها الكثيرون، لكن القلة فقط يقصدون هذا الركن المنعزل بحثاً عن الهدوء وفراراً من الضوضاء. شكرته وانصرف.
فجأة، وبينما تجول عيناي في المكان، استقرت على "أريكة" في زاوية مقابلة، تكاد تخفيها كثافة الأشجار. تذكرتُ من كان يجلس عليها زماناً، فتنهدتُ تنهيدةً عميقة، وعاد بي الزمن إلى الوراء...
كنتُ آتي إلى هذا المكان وحدي، أجلس بالساعات باحثاً عن السكينة. إلى أن لاحت أمامي ذات يوم فتاة محجبة، جلست على تلك الأريكة المنعزلة. ظننتها تنتظر أحداً، لكن الساعات مرت وهي وحيدة. الغريب أنها لم تكن تعير انتباهاً لمنظر النيل أو المراكب، بل كانت غارقة في قراءة كتاب. ظللتُ في مكاني حتى أغلقت كتابها، ودسته في حقيبتها، ثم انصرفت دون أن تلتفت إليَّ أو تشعر بوجودي. تابعتُ طيفها حتى اختفى، ولم أفهم سر اهتمامي بها، ثم قمتُ وانصرفت، لكن صورتها ظلت عالقة في خيالي.
عدتُ في اليوم التالي فلم أجدها. واصلتُ الحضور يومياً دون جدوى، حتى تسلل اليأس إلى قلبي من رؤيتها مجدداً. ولكن، مع مرور الأيام، وبينما أنا جالس، رأيتها! نعم، إنها هي. توجهت إلى مكانها المعتاد، أخرجت كتاباً وبدأت تقرأ.
جلستُ أتأملها واسترجعتُ اليوم الذي رأيتها فيه أول مرة.. نعم، إنه يوم الأربعاء، واليوم أيضاً ألاربعاء! إذن هي تأتي أسبوعياً.
منذ ذلك الحين، حفظتُ موعدها. كنتُ أجلس حتى تفرغ من القراءة وتهم بالانصراف. تمر من أمامي وعيناي تتبعانها. استمر الحال هكذا لأكثر من شهرين؛ تأتي وأنا جالس، وتمضي وأنا جالس، لا أغادر حتى تغادر، وطوال الأسبوع أقتاتُ على أمل لقائها.
وفي إحدى المرات، جاءت ولكن تتبعها شلة من الشباب يحاولون مضايقتها. لم تذهب إلى أريكتها المعتادة خوفاً منهم، بل تصرفت بذكاء وجاءت لتجلس على طرف المقعد الخاص بي. تبعها الشباب وجلسوا بالقرب منا يرمقونها بنظراتهم. دارت الأفكار في رأسي بسرعة: ماذا أفعل وأنا وحدي وهم كثرة؟ هداني تفكيري إلى حيلة؛ اقتربتُ منها وقلتُ بصوت هادئ ولكنه مسموع:
"أما زلتِ غاضبة مني؟ ألن تصالحيني؟"
نظرت إليَّ والتقطت الخيط فوراً، فأخرجت كتابها، و أخرجتُ كتاباً آخر ناولته لى ، وأخذتُ كتابها وتظاهرنا بالقراءة. شعر الشباب بالحرج وانسحبوا. شكرتني وهمَّت بالرحيل، لكني استوقفتها قائلاً: "يمكنك البقاء، لن أتكلم ولن تشعري بوجودي، أخشى أن يعودوا مرة أخرى".
وبالفعل جلست، ومن شدة اضطرابها نسيت أن تسترد كتابها، فبدأتُ أقرأ فيه، وكانت قصة جميلة جذبتني، واستغرقت هي أيضاً في القراءة حتى نسيت تماماً أني بجوارها.
فجأة، شعرتُ بيد تهز يدي برفق، نظرتُ فإذا هي تبتسم وتعتذر قائلة: "أنا أيضاً عندما أقرأ أنسى الدنيا". شكرتها وأعدتُ لها القصة، لكنها قالت بلطف: "يمكنك إكمالها، وإن شاء الله نتقابل الأسبوع القادم".
شكرتها، فردت: "أنا من يجب أن يشكرك على موقفك النبيل معي.. أنا اسمي منى، وأنت؟"
أجبتُ فوراً: "وحيد".
قالت: "سلام، حتى لا أتأخر على (تيتا)". تركتني ومضت، وأحسستُ حينها أن قلبي قد رحل معها.
توطدت عادتنا على هذا المنوال؛ كل أسبوع تأتي بقصة لي وقصة لها، كانت كلها روايات عن الحب، شيقة وممتعة جداً. وكنا نتبادل بعض الكلمات والعبارات القصيرة، حتى فاجأتني ذات يوم بسؤال غريب...
انتهى الجزء الاول
انتظرونى قريباً

0 تعليقات