تفكيك أسطورة الوعد
بين النص التوراتى والتوظيف الصهيونى
بقلم: لواء أ.ح دكتور أحمد عبد البر 🇪🇬
سعت الصهيونية منذ نشأتها كحركة سياسية فى نهايات القرن التاسع عشر، إلى بناء سردية دينية تاريخية محكمة تُضفى على مشروعها الإستعمارى طابع مقدس وشرعى، فإستدعت من النصوص التوراتية "المحرفة" ما يخدم غايتها، وأعادت توظيف الرموز الدينية بصياغات سياسية حديثة لتثبيت فكرة "الحق اليهودى فى أرض الميعاد" أو "العهد الإبراهيمي"، وقد ورد فى عدة مواضع من "العهد القديم" (التوراة عند اليهود)، ومن أبرز هذه المواضع؛ سفر التكوين (الإصحاح 17: 7–8) "وأقيم عهدى بينى وبينك، وبين نسلك من بعدك فى أجيالهم عهداً أبدياً، لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك، وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكاً أبدياً. وأكون لهم إلهاً؛ وفى سفر الخروج (الإصحاح 3: 7–8) "وقال الرب إنى قد رأيت مذلة شعبى الذى فى مصر، وسمعت صراخهم... فنزلت لأنقذهم من يد المصريين، وأُصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين...".
وكان الوعد الإلهى الذى ورد فى سفر التكوين (الإصحاح 15: 18–21) "فى ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أُعطى هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، القينيين والقنزيين والقدمونيين، والحثيين والفرزيين والرفائيين، والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين." وهو النص المركزى الذى إرتكزت عليه هذه السردية، وأُعتبر عند أنصار المشروع الصهيونى دليل إلهى دامغ يُبرر السيطرة على كامل فلسطين وما حولها؛ لكن التوظيف المجتزأ لهذا النص، وتغييبه عن سياقه التاريخى واللغوى، يكشف تناقضات بنيوية تُضعف الإدعاء أكثر مما تدعمه.
القراءة النقدية للنص المحرف تكشف أن "الوعد" لم يكن صك جغرافى بإمتلاك أرض ممتدة من النيل إلى الفرات كما يزعمون، بل نص رمزى، كتب فى مرحلة لاحقة من التاريخ اليهودى أثناء المنفى البابلى، وكان هدفه بناء خطاب هوياتى لشعب مُشرد، أكثر منه تخطيط حدودى لدولة قادمة.
وفى السياق ذاته تظهر مفارقة لغوية دقيقة عند تحليل مصطلح "نهر مصر"، إذ تكشف اللغة العبرية الأصلية أن المصطلح المستخدم هو "נַחַל מִצְרַיִם" "نحال مِتْسْرايِم"، أى "وادى مصر"، وهو توصيف يُطلق على الأودية الموسمية لا الأنهار الدائمة، وهى لا تعنى "نهر" بالمعنى الإصطلاحى للنيل الذى يُشار إليه فى العبرية بكلمة "נהר"، حيث يُذكر النيل فى نصوص أخرى، بصيغة "النهر العظيم" أو "نهر مصر العظيم" مثل سفر إرميا 2:18 "وما لك طريق إلى مصر لتشرب مياه النيل"، بينما يشير "وادى مصر" "نحال مِتْسْرايِم" فى هذا النص إلى "وادى العريش" فى شمال سيناء، وهو ما أكده كبار مفسرى التوراة والمؤرخين اليهود، وعلى رأسهم المؤرخ اليهودى فى القرن الأول الميلادى فلافيوس يوسيفوس، إضافة إلى أطالس وخرائط التقاليد اليهودية التى حددت العريش كأقصى الحدود الجنوبية الغربية لأرض كنعان، وبالتالى فإن توسعة المفهوم إلى شمول مصر الكبرى هو إسقاط أيديولوجى حديث على نص قديم محدود جغرافياً، ويخالف حتى الأصول التوراتية التى تدّعى إسرائيل الدفاع عنها.
لكن المفارقة الأعمق تكمن فى أن فلسطين نفسها لم تكن، فى بدايات الفكر الصهيونى الخيار الوحيد أو الأول لإقامة الدولة اليهودية؛ بل طرحت بدائل جغرافية متعددة عكست واقع معقد من الإضطهاد اليهودى الأوروبى، وتوجهات البراغماتية السياسية، بالإضافة الى طموحات قادة الحركة الصهيونية نحو أي ملاذ قومى يمكن أن يتحقق فيه مشروعهم، ولو مرحلياً.
ففى مؤتمر بازل الصهيونى عام 1903، طرحت بريطانيا ما عُرف لاحقاً بالخطة الأوغندية، مقترحة إقامة وطن قومى لليهود فى منطقة قريبة من كينيا الحالية، ولاقى هذا الإقتراح دعم أولى من تيودور هرتزل، بإعتباره حل مؤقت لإنقاذ يهود روسيا من المذابح، لكن سرعان ما قوبل المشروع برفض شرس داخل الحركة، خاصة من اليهود الشرقيين والروس.
وبعيداً عن أفريقيا، سعت بعض النُخب الفكرية اليهودية إلى خيارات فى أمريكا اللاتينية، لا سيما في الأرجنتين، حيث رُشحت مناطق نائية مثل باتاغونيا لإقامة مستوطنات زراعية يهودية منظمة، هذا الخيار الذي تبناه بعض المفكرين مثل موسى هيس وباولو ألتسولر، لم يلقى حماسة سياسية حقيقية من التيار الصهيونى الرئيسى، لا سيما بعد توجه هذا الأخير نحو توظيف النفوذ البريطانى بعد وعد بلفور 1917 لصالح إقامة دولة فى فلسطين.
ومع ذلك ظلت تلك المحاولات تعبير واضح عن قابلية الفكرة الصهيونية لأن تتجسد خارج الإطار التوراتى التقليدى، إذا توفرت الظروف الإستراتيجية.
فى منطقة الشرق الأوسط، لم تكن فكرة إقامة كيان يهودى حكر على فلسطين أيضاً، فقد طُرحت مناطق من شمال العراق (كردستان) كموقع مقترح من قِبل بعض القيادات اليهودية فى العراق، مستفيدين من تواجد تاريخى قديم لليهود فى تلك المناطق، ووجود فجوات سكانية قد تسمح بإعادة تشكيل ديموغرافى جديد، كما ناقشت بعض الدوائر الإستعمارية البريطانية والفرنسية مقترح تحويل أجزاء من شرق الأردن، الذى كان حينها ضمن "سوريا الجنوبية" تحت الإحتلال البريطانى، إلى وطن لليهود ضمن ترتيبات ما بعد سايكس بيكو، إلا أن الموقف العربى، والمخاطر الجيوسياسية المصاحبة، جعلت تلك المشاريع تُستبعد تدريجياً، فى حين تعززت فكرة فلسطين كوجهة روحية وسياسية الأكثر تماسك ورمزية لدى الصهاينة.
حتى الأراضى الأمريكية لم تكن بمنأى عن هذه الأطروحات؛ ففى عام 1939، وفى ظل تصاعد إضطهاد اليهود فى أوروبا، ناقش الكونغرس الأمريكى مشروع غير مُلزم لإقامة مستعمرات يهودية فى ولاية ألاسكا، تحت شعار إنسانى بحت لإستيعاب اللاجئين، لكن الضغوط السياسية والأيديولوجية، إلى جانب قناعة يهود الشتات بأن فلسطين وحدها تمثل الحلم القومى، أدت إلى رفض الخطة؛ أما فى أوروبا الشرقية، فقد أُنشئت تجارب محدودة لمزارع يهودية شبه مستقلة فى أوكرانيا والقرم، بدعم من الحكومة السوفيتية حيناً، أو من منظمات يهودية محلية حيناً آخر، إلا أنها إنهارت تحت وطأة القمع الستاليني أو الإحتلال النازي لاحقاً.
![]() |
| لواء ا ح دكتور أحمد عبد البر 🇪🇬 |
إن التتبع الجغرافى لهذه المشاريع يكشف بوضوح أن فكرة الدولة اليهودية لم تكن منذ البداية قائمة على أساس لاهوتى صرف، بل كانت خاضعة لمعادلات القوة والإستعمار والفرص السياسية، ومن ثم فإن اختزال الصراع فى كونه صراع على "أرض موعودة" فقط، يغفل البعد البراغماتى العميق الذى حكم العقل السياسى الصهيونى فى مراحله المبكرة.
إن دمج هذه المعطيات الثلاثة تناقض الوعد التوراتى، وخطأ تحديد "نهر مصر"، والتاريخ التعددى لخيارات الدولة اليهودية يُفكك البنية الخطابية التى تقوم عليها الرواية الإسرائيلية الحديثة، ويكشف أنها تقوم على إنتقاء مقصود للنصوص، وتحريف مقصود للجغرافيا، وتغييب متعمد للتاريخ القريب، فادعاء الحق المطلق فى الأرض لا يصمد أمام التفسير النصى النزيه، ولا أمام التحليل اللغوى الدقيق، ولا أمام الوثائق الأرشيفية التى تفضح هشاشة "الحتمية التاريخية" التى تتغنى بها الدعاية الصهيونية، وما يُسمى بأرض الميعاد لم يكن وعد مفتوح بالإستيطان، بل خطاب وجودى لشعب فى أزمة، وما يُسمى بـ"نهر مصر" لم يكن النيل، بل وادي قديم على أطراف سيناء، وما يُسمى بـ"الوطن الأبدى" لم يكن يومً قاطعاً لفلسطين، بل طرح مرن دار بين سبعة مواقع على الأقل.
هكذا، فإن البناء الأسطورى الذى ارتكزت عليه الرواية الإسرائيلية يبدو، عند إخضاعه للتحليل العلمى والتاريخى، أقرب إلى خطاب تعبئة منه إلى سردية حق. وإذ يُعاد اليوم إستحضار هذا التراث فى سياقات الصراع الحديث، فإن مسؤولية تفكيكه علمياً ليست فقط أداة للمقاومة المعرفية، بل خطوة ضرورية لكشف زيف الأساس الذى يقوم عليه إستعمار لا يزال يُقدم نفسه كتحقق لنبوءة.


0 تعليقات