بصائر السائرين الجزء الأول
سر الاختيار الإلهي وضرورة معرفة "الهادي"
بقلم العقيد محمود سودان 🇪🇬
المصدر: مستنبط من "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم
نستهل اليوم رحلتنا اليومية المباركة في سلسلة "بصائر السائرين"، التي لا تهدف إلى مجرد السرد التاريخي، بل إلى استنطاق الهدي والمنهج من سيرة رسولنا الأعظم، صلى الله عليه وسلم.
وكما فعل الإمام ابن القيم في مستهل كتابه النفيس "زاد المعاد"، فإننا لا نبدأ بالسيرة مباشرة، بل نُمهّد بـ "مقدمة الاختيار". لأن فهم رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) يقتضي أولاً فهم عظمة مَن أرسله، وكيفية إعداد هذا الرسول والمحيط الذي وُضع فيه.
أولاً: الاختيار الإلهي.. فلسفة التفاضل
يفتتح الإمام ابن القيم مقدمته بباب عظيم في فلسفة الوجود: باب الاختيار الإلهي. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الأشياء على حد سواء، بل فاضل بينها لحكمة بالغة.
إن هذا التفضيل يعلمنا منهجية الاختيار في حياتنا، ويدلنا على ما اختاره الله لنا لنتبعه ونتقرب به إليه. والمقدمة الحافلة تعرض هذه الاختيارات في أربع مراتب:
1. اختيار المخلوقات من جنسها: كاختيار الملائكة من البشر (يقصد اختيار الرسل من البشر)، واختيار الرسل والأنبياء من الملائكة (يقصد رؤساء الملائكة كجبريل) أو اختيار الرسل من بين البشر.
2. اختيار الأمكنة: كاختيار مكة على سائر البقاع، والمسجد الحرام على سائر المساجد.
3. اختيار الأزمنة: كاختيار يوم الجمعة على سائر الأيام، وليلة القدر على سائر الليالي.
4. اختيار الأعمال والأخلاق: كاختيار الإيمان على الكفر، والإحسان على الإساءة.
هذا التمهيد يضعنا أمام قاعدة أساسية: إذا كان الله قد اختار الأفضل من كل شيء، فبالضرورة يجب أن نعرف ونتبع هذا الاختيار.
ثانياً: فضل الجمعة.. سيد الأيام
خصّ ابن القيم الحديث عن يوم الجمعة بفقرة مميزة، ليس فقط لأنه أفضل الأيام، بل لأنه يوم العبادات المجمعة التي شرعها الله لنا على هدي نبيه (صلى الله عليه وسلم).
الجمعة هي مثال لاختيار الزمان، وفيه يتجلى هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) كاملاً: من الغسل والتطيب، إلى التبكير، مروراً بالخطبة الموعظة، وانتهاءً بساعة الإجابة. وبذلك، يكون الحديث عن الجمعة إشارة مبكرة إلى أننا سنفصّل في هديه (صلى الله عليه وسلم) في كل عبادة موقوتة.
ثالثاً: الحاجة لمعرفة الرسول (صلى الله عليه وسلم).. غاية البصائر
إن الغاية الكبرى من هذه الرحلة ليست معرفة "الماضي"، بل معرفة "النموذج الكامل" لـ "كيف نعيش؟".
يؤكد ابن القيم أن الحاجة إلى معرفة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا تقتصر على معرفة الأحكام الفقهية، بل تتجاوزها إلى فهم المنهج الكلي للحياة.
• هو دليلنا إلى الله: لا يمكن لأحد أن يتقرب إلى الله حقاً إلا باتباعه.
• هو ميزان الأعمال: ما وافق هديه قُبِل، وما خالفه رُدَّ.
• هو الهدى الكامل: هديه (صلى الله عليه وسلم) هو أكمل هدي في كل شيء: في الدعوة، في القيادة، في الصحة، وفي المعاشرة.
لذلك، فإن رحلتنا في "بصائر السائرين" هي رحلة لاكتشاف هذا الهدي المتكامل، الذي يمثل "الزاد" لكل سالك في هذه الدنيا. فإذا عرفنا هديه (صلى الله عليه وسلم)، أتقنّا فن الاختيار الإلهي، وعرفنا كيف نسير على صراط مستقيم.
في مقال القادم، ان شاء الله تعالى سننتقل إلى المرحلة الأولى من السيرة النبوية: "هديه (صلى الله عليه وسلم) في مرحلة ما قبل النبوة: عصمة النشأة وكمال الخلق".
يتبع …
والله أعلم
الفقير إلى الله محمود سودان

0 تعليقات