لا تغتر فتجتر بقلم ناصر السلاموني مصر 🇪🇬

 

لا تغتر فتجتر 



بقلم ناصر السلاموني مصر  🇪🇬

الكبرياء والغرور من الصفات المذمومة التي تقود الإنسان إلى المهالك وتُفسد قلبه وتُعمي بصيرته. أما الكبرياء في حقيقته فهو صفة من صفات الله تعالى التي لا يجوز أن يتصف بها أحد من خلقه، وهو بمعناه الإلهي: العظمة التي لا تدانيها عظمة، والكمال المطلق الذي لا نقص فيه. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». أما الغرور فهو شعور باطل بالتفوق، يجعل الإنسان ينظر إلى نفسه نظرة عليا، ويتوهم أنه أفضل من غيره في كل شيء، وهو من مداخل الشيطان إلى القلب، وزينة من زخرف الدنيا، يُضفيها على النفوس المريضة التي تغتر بما آتاها الله من مال أو جاه أو سلطان.


القرآن الكريم حافل بالآيات التي تُحذر من هذه الصفات المقيتة، وتُبيّن عواقبها الوخيمة. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23]. بل لقد قص علينا القرآن مصير من تكبروا وتجبروا على الناس، مثل فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، وكيف أهلكه الله، وقارون الذي بغى في الأرض بماله، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فخسف الله به وبداره الأرض. هذه النماذج قرآنية صادعة تُجسد مصير المتكبرين والمغرورين.


في السنة النبوية، جاءت الأحاديث تؤكد ذات المعنى. قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس». والغمط هو احتقار الناس. وروي عنه أيضًا ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر». إن الاستكبار والغرور من أمراض القلوب، وهي أشد فتكًا من أمراض الجسد، لأنها تقطع صلة الإنسان بخالقه، وتفسد علاقته بخلقه.


ذوو النفوس المريضة هم أكثر من يُبتلى بالغرور والكبرياء، لأنهم لم يعرفوا حقيقة الحياة ولا مآل الإنسان فيها. يتباهى أحدهم بماله، أو منصبه، أو سلطانه، أو حتى بجماله أو نسبه، وهو لا يدرك أن كل ذلك يمكن أن يُسلب منه في لحظة، وأن الأيام دُوَل، لا تدوم على حال، فكم من صاحب سلطان أصبح ذليلاً، وكم من غني أضحى فقيرًا، وكم من مشهور طواه النسيان. وهنا يعض المغرور على أصابع الندم، بعد أن فات الأوان. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-39].


أما أثر الغرور والكبرياء على الفرد والمجتمع، فهو وخيم. فهما يولّدان التكبر على الناس، واحتقار الآخرين، ورفض النصيحة، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، والتمزق النفسي، وبغض الناس له. والمجتمع الذي يسوده الغرور والكبرياء يفتقر إلى التراحم والتعاون، ويغيب عنه التواضع الذي هو أساس الأخلاق. يقول رسول الله ﷺ: «من تواضع لله رفعه»، وهو حديث يحمل بشرى عظيمة، بأن التواضع سبيل إلى الرفعة الحقيقية، لا الكبر المصطنع.


وفي النهاية، فإن من اتصف بالغرور والكبرياء إنما يسير نحو هلاكه وهو لا يشعر، ومن تواضع لله وأقر بفضله، رزقه الله نورًا في قلبه ومحبة في قلوب الناس. فلنحذر من هذه الصفات، ونتذكر أن أعظم الناس مكانة عند الله هم أكثرهم تواضعًا، وأن ما عندنا من نِعَم إنما هو فضل من الله واختبار، لا مدعاة للكبر والغرور، وإنما مدعاة للشكر والخضوع.فلا تغتر بما منحك الله من نعم فتجتر حسرة وندما في وقت لا ينفع فيه الندم.






إرسال تعليق

0 تعليقات